السفر

من دجلة إلى دبي.. رائحة «المسكوف» تفوح في مدينة الذوّاقة

Shanashel
من دجلة إلى دبي.. رائحة «المسكوف» تفوح في مدينة الذوّاقة

لا يُشوى «المسكوف» مباشرة فوق اللهب كما هي الحال مع معظم أنواع السمك، بل يُوضع إلى جوار النار لينضج ببطء على حرارة الجمر.

تُفتح السمكة الكبيرة وتُنظف أولاً، ثم تُتبّل وتُثبت بشكل قائم بالقرب من النار، حيث تُترك لتنضج تدريجياً، فيما يراقب الطاهي بعناية كلاً من اللهب والسمكة.

وهنا، لا يكون الشواء مجرد طريقة للطهي، بل جزءاً من الحكاية. حتى وقت الانتظار ليس تفصيلاً عابراً، وإنما جزء من طقس ارتبط بطبق عراقي حملته العائلات معها إلى مدن مختلفة حول العالم.

وكانت دبي واحدة من هذه المدن، حيث كتب «المسكوف» قصة خاصة به، وجذب عشاق الطعام في إمارة تشتهر بتنوعها الاستثنائي في المطابخ والثقافات.

وخلال السنوات الماضية، وجد «المسكوف» العراقي طريقه إلى موائد دبي متجاوزاً حدود الجالية العراقية، إذ بدأ إماراتيون ومقيمون من جنسيات مختلفة بالتعرف إلى هذا الطبق وتجربته.

وبينما بقيت طريقة إعداده الأساسية مرتبطة بالسمك والنار والصبر والخبرة، تغيرت البيئة الاجتماعية المحيطة به؛ إذ انتقل من ضفاف الأنهار والجلسات العراقية التقليدية إلى مدينة متعددة الثقافات، تلتقي فيها مطابخ العالم على مائدة واحدة.

خبرة تمتد لعقود

بالنسبة إلى عائلة الشيف أزاد محمد، تعود قصة «المسكوف» إلى عام 1973 في كردستان العراق، حيث بدأت العائلة إعداد هذا الطبق.

وفي عام 1999، انتقلت العائلة إلى الإمارات، حاملة معها خبرة تراكمت على مدى عقود من خلال مطعم «كباب أربيل العراقي».

ولم يكن الانتقال مجرد تغيير في مكان العمل، إذ بقيت الحرفة داخل العائلة، وانتقلت معرفتها من جيل إلى آخر، حتى أصبحت طريقة إعداد «المسكوف» جزءاً من خبرة العائلة المهنية وذاكرتها في الوقت نفسه.

ويرتبط «المسكوف» تقليدياً بالسمك النهري وطريقته المميزة في الطهي بجوار النار المفتوحة، وهو ما جعله جزءاً مهماً من ثقافة الطعام العراقية.

لكن خصوصية الطبق لا تقتصر على مكوناته، فإعداده يحتاج إلى مساحة ووقت ونار مفتوحة، كما أن عملية الطهي نفسها تتحول إلى جزء من التجربة بالنسبة إلى من ينتظرون تناول الطعام.

تُنظف السمكة وتُفتح، ثم تُوضع بالقرب من الجمر بحيث تصل إليها الحرارة تدريجياً. ويحتاج الطاهي إلى مراقبة النار باستمرار، لأن درجة الحرارة والمسافة عن الجمر ومدة الشواء كلها عوامل أساسية في تحديد النتيجة النهائية.

ولهذا، يبدو إعداد «المسكوف» أقرب إلى حرفة تُكتسب بالممارسة والمشاهدة، وليس مجرد وصفة يمكن اختصارها في قائمة من المكونات.

وقال أزاد لـ«الإمارات اليوم» إن التعامل مع النار واختيار السمك المناسب وتجهيزه بالشكل الصحيح تفاصيل لا تنفصل عن جودة «المسكوف»، موضحاً أن الخبرة التي راكمتها العائلة على مدى سنوات طويلة ساعدتها على الحفاظ على الطريقة التي عرفتها في العراق.

ويكمن جانب من خصوصية هذه الحرفة في أن كثيراً من تفاصيلها لا يُكتب.

فالطاهي يتعلم كيف يقرأ النار، ومتى يحتاج إلى تقريب السمكة منها أو إبعادها، وكيف يراقب تغيرها خلال مراحل الشواء المختلفة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه التفاصيل إلى معرفة عملية تنتقل من جيل إلى آخر.

وأشار أزاد إلى أن هذه المهارات لا يمكن إتقانها سريعاً، لأنها تعتمد على سنوات من الخبرة. كما أن أنواع السمك ليست جميعها مناسبة لإعداد «المسكوف» بالطريقة العراقية، إذ تؤثر طبيعة اللحم وتماسكه في قدرته على تحمل طريقة الشواء.

ولهذا، فإن معرفة خصائص كل نوع من الأسماك تعد جزءاً أساسياً من خبرة الطاهي.

شيء من المكان

مثل كثير من الأطعمة التقليدية، لا يحمل «المسكوف» مذاقاً فقط، بل يحمل معه شيئاً من المكان الذي وُلد فيه.

فطريقة الشواء، ورائحة الحطب، والانتظار أمام النار، ثم اجتماع الأشخاص حول السمكة بعد نضجها، كلها عناصر تدخل في الذاكرة المرتبطة بهذا الطبق.

وعندما ينتقل «المسكوف» إلى مدينة أخرى، لا تنتقل معه الوصفة وحدها، بل تنتقل أيضاً طريقة تناوله والقصص المرتبطة به، لتتحول المائدة إلى مساحة صغيرة يمكن من خلالها استعادة شيء من المكان الأول.

وفي دبي، وجد «المسكوف» جمهوراً جديداً بين سكان المدينة المتنوعين.

وبحسب القائمين على المطعم، لا يقتصر زبائن «المسكوف» على العراقيين، بل يشملون أيضاً إماراتيين ومقيمين من جنسيات مختلفة.

ومن هنا، يصبح انتشار الطبق جزءاً من حركة أوسع للطعام بين الثقافات.

ولا يعني ذلك أن «المسكوف» فقد هويته العراقية، بل على العكس، فإن وصوله إلى موائد جديدة يوضح كيف يمكن للطعام أن يصبح بوابة للتعرف إلى ثقافة أخرى.

فالتجربة قد تبدأ بطبق، لكنها يمكن أن تقود إلى اكتشاف طريقة مختلفة في الطهي والاجتماع والاحتفاء بالطعام.

أرقام تحكي جانباً من القصة

يكشف حجم العمل أيضاً مقدار الجهد المطلوب للحفاظ على طريقة الطهي التقليدية هذه.

فبحسب أزاد، يتم إعداد ما بين 100 و150 سمكة يومياً، بمتوسط وزن يبلغ نحو أربعة كيلوغرامات للسمكة الواحدة، أي ما يعادل تقريباً ما بين 400 و600 كيلوغرام من السمك يومياً.

ولا تمثل هذه الأرقام إجمالي استهلاك «المسكوف» في دبي، وإنما تعكس حجم العمل في المطعم الذي يتحدث عنه أزاد.

ومع ذلك، فإنها تقدم صورة واضحة عن طبيعة هذه الحرفة، إذ تحتاج مئات الكيلوغرامات من السمك إلى التنظيف والتجهيز والتثبيت والشواء، ضمن عملية تعتمد بدرجة كبيرة على المهارة اليدوية والمراقبة المستمرة للنار.

وفي زمن أصبحت فيه السرعة سمة أساسية لكثير من المطابخ الحديثة، يحتفظ «المسكوف» بإيقاعه البطيء.

فالسمكة تحتاج إلى وقت، والنار تحتاج إلى متابعة، والزبون يحتاج إلى الانتظار.

وربما يكون هذا الانتظار نفسه جزءاً مما يجعل التجربة مختلفة.

فقد أصبح «المسكوف» واحداً من أبرز رموز المطبخ العراقي، وطبقاً يرتبط بصورة وثيقة بالعراق وبنهري دجلة والفرات.

وبالنسبة إلى بعض الزبائن، يمكن أن تتحول العلاقة مع «المسكوف» إلى جزء من روتينهم الأسبوعي.

وقد لخّص أحد الزبائن ذلك بعبارة بسيطة:

«لا تفوتني الجمعة». وهي عبارة تتجاوز الحديث عن الطعام وحده. فالجمعة، بالنسبة إلى كثير من العائلات، وقت للاجتماع واللقاء، ويمكن لطبق معين أن يرتبط بهذا الإيقاع الأسبوعي إلى درجة يتحول معها إلى طقس ينتظره الناس.

الرحلة متواصلة

في دبي، حيث تتقاطع مطابخ وثقافات العالم، وجد «المسكوف» جمهوراً جديداً من دون أن يتخلى عن العناصر التي تصنع هويته: السمك، والنار، والوقت، والخبرة.

وبين الجمر والمائدة، يواصل الطبق رحلته.

فهو أكثر من مجرد وجبة؛ إنه حرفة تحمل ذاكرة مكان، وتقليد في الطهي انتقل من جيل إلى آخر، وجزء من الثقافة العراقية استطاع عبور الحدود ليجد لنفسه مكاناً في مدينة تلتقي فيها ثقافات العالم.

المصدر : emaratalyoum